الشيخ حسن أيوب
58
الحديث في علوم القرآن والحديث
إعجاز القرآن الكريم قال السيوطي في الإتقان : أفرده بالتصنيف خلائق منهم الخطابي والرماني والزملكاني والإمام الرازي وابن سراقة ، والقاضي أبو بكر الباقلاني ، قال ابن العربي : ولم يصنف مثل كتابه ( أي الباقلاني ) . اعلم أن المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة . وهي إما حسية وإما عقلية ، وأكثر معجزات بني إسرائيل كانت حسية لبلادتهم وقلة بصيرتهم ، وأكثر معجزات هذه الأمة عقلية لفرط ذكائهم وكمال أفهامهم ، ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة خصت بالمعجزة العقلية الباقية ليراها ذوو البصائر ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلم : « ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا » أخرجه البخاري . قيل إن معناه : أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها ، ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة في خرقه العادة بأسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات فلا يمر عصر ، من الأعصار ، إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون مما يدل على صحة دعواه . وقيل : المعنى أن المعجزات الواضحة الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار كناقة صالح ، وعصا موسى ، ومعجزات القرآن تشاهد بالبصيرة فيكون من يتبعه لأجلها أكثر ، لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده ، والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرا . قال في فتح الباري : ويمكن نظم القولين في كلام واحد ، فإن محصلهما لا ينافي بعضه بعضا ، ولا خلاف بين العقلاء : أن كتاب اللّه تعالى معجز ، لم يقدر أحد على معارضته بعد تحديهم بذلك . قال تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [ سورة التوبة آية : 6 ] . فلولا أن سماعه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه ولا يكون حجة إلا وهو معجزة . وقال تعالى : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ [ سورة العنكبوت آية : 50 ، 51 ] . فأخبر أن الكتاب آيات من آياته كاف في الدلالة قائم مقام معجزات غيره ، وآيات